ابن الأثير

96

الكامل في التاريخ

أذربيجان ، ونتصل ببلاد العجم ، فما فيها من يمنع عنها . ثمّ أذن لأخيه العادل في المضيّ إلى الكرك ، وكان له ، وقال له : تجهّز واحضر لتسير ، فلمّا سار إلى الكرك مرض صلاح الدين ، وتوفّي قبل عوده . وكان ، رحمه اللَّه ، كريما ، حليما ، حسن الأخلاق ، متواضعا ، صبورا على ما يكره ، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه ، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغيّر عليه . وبلغني أنّه كان يوما جالسا وعنده جماعة ، فرمى بعض المماليك بعضا بسرموز فأخطأته ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته ووقعت بالقرب منه ، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلّم جليسه ليتغافل عنها . وطلب مرّة الماء فلم يحضر ، وعاود الطلب في مجلس واحد خمس مرّات فلم يحضر ، فقال : يا أصحابنا ، واللَّه قد قتلني العطش ! فأحضر الماء ، فشربه ولم ينكر التواني في إحضاره . وكان مرّة قد مرض مرضا شديدا أرجف عليه بالموت ، فلمّا بريء منه وأدخل الحمّام كان الماء حارّا ، فطلب ماء باردا ، فأحضره الّذي يخدمه ، فسقط من الماء شيء على الأرض ، فناله منه شيء ، فتألّم له لضعفه ، ثمّ طلب البارد أيضا فأحضر ، فلمّا قاربه سقطت الطاسة على الأرض ، فوقع الماء جميعه عليه ، فكاد يهلك ، فلم يزد على أن قال للغلام : إن كنت تريد قتلي فعرّفني ! فاعتذر إليه ، فسكت عنه . وأمّا كرمه ، فإنّه كان كثير البذل لا يقف في شيء يخرجه ، ويكفي دليلا على كرمه أنّه لمّا مات لم يخلّف في خزائنه غير دينار واحد صوريّ ، وأربعين درهما ناصريّة ، وبلغني أنّه أخرج في مدّة مقامه على عكّا قبالة الفرنج ثمانية عشر ألف دابّة من فرس وبغل سوى الجمال ، وأمّا العين والثياب والسلاح فإنّه لا يدخل تحت الحصر ، ولمّا انقرضت الدولة العلويّة